محمد أبو زهرة
3446
زهرة التفاسير
الاثنين وبقي بقباء أربعة أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس ثم انتقل إلى المدينة يوم الجمعة ، فيكون منطبقا عليه أنه أسس على التقوى من أول يوم تمت فيه الهجرة ، وأسس على التقوى لأن الذي بناه هو الرسول أولا ، وبنى ابتداء للعبادة ثانيا ، وذلك فضل ثان للمسجد يجعله أحق أن تقوم فيه الصلاة من غيره ، ويلاحظ أنه ذكر فضل هذا المسجد ولم يذكر ما أحاط بالآخر من نيات مناقضة ، إذ إن الآخر أسّس ضرارا وكفرا وتفريقا بين المسلمين ، وإرصادا لمن حارب اللّه ورسوله - لم يذكر ذلك اكتفاء بما ذكر أولا ، فذكر السوء لا يكرر ، ولأن في ذكر حسنات هذا المسجد ، تعريضا واضحا بسيئات الآخر . والمسجد عند الأكثرين هو مسجد قباء ، وادعى بعض الرواة أنه مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنا نختار ما اختاره الأكثر ؛ لأن مسجد قباء أول مسجد بنى بعد الهجرة ، بل أول المساجد بإطلاق ، ومسجد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بنى بعده ، ولأن المفاضلة كانت بين مسجد قباء ومسجد الضرار الذي حاولوا به الغض من مقامه ، ومقام الذين بنوه ، وإن الضرار الذي ذكر كان يقصد به مكايدة أهل قباء وذلك ما نراه الحق ، ومسجد الرسول له فضله فوق كل هذا ، فهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال : البيت الحرام ، وبيت المقدس ، ومسجد الرسول . هذا فضل ذاتي لمسجد قباء ، وله فضل إضافى آخر ، وهو فضل من يصلون فيه ، فإنهم ليسوا منافقين ولا مراءين ، بل أخلصوا دينهم للّه تعالى ، ولذا قال فيهم : فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أي رجال يريدون أن تخلص قلوبهم وتطهر نفوسهم من الرياء والكفر والنفاق ، ويغسلوها من أدران النفوس ، أي يحبون أن يكونوا للّه مخلصين له الدين لا أن يكونوا لغيره ، واللّه يحب هؤلاء المطهرين ، الذين غسلوا أدران قلوبهم . وقد فسر الزمخشري وغيره الطهارة الحسية والبدنية ، فقد جاء في الكشاف ما نصه : وقيل : لما نزلت مشى رسول اللّه والمهاجرون حتى وقف على باب مسجد